وصلتك - تسهل مهمتكم

الجامعة الجزائرية، أزمة تخطيط أم أزمة رؤية؟

عندما نتحدث عن الجامعة الجزائرية، فإننا لا نتحدث فقط عن مؤسسة تعليمية، بل عن ركيزة أساسية في بناء النخب، وصناعة الكفاءات، وتوجيه مستقبل المجتمع. ومع ذلك، يرافق الحديث عن الجامعة اليوم قدر كبير من التساؤل والقلق؛ فعدد الخريجين في تزايد، لكن الإحساس العام بجودة المخرجات ما يزال محل نقاش واسع.

من موقع المواطن الجزائري، يبدو أن الإشكال أعمق من مجرد نقص في الوسائل أو اكتظاظ في المدرجات. السؤال الحقيقي هو: هل تعاني الجامعة من خلل في التخطيط فقط، أم أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب رؤية واضحة لما نريده من التعليم الجامعي؟

التخطيط، من حيث الهياكل والبرامج وعدد المقاعد البيداغوجية، عرف توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية. جامعات جديدة، تخصصات مستحدثة، وأعداد كبيرة من الطلبة الذين يلتحقون سنويًا بالجامعة. غير أن هذا التوسع الكمي لم يكن دائمًا مصحوبًا بتخطيط نوعي يربط التكوين بسوق العمل، أو يواكب التحولات التكنولوجية والاقتصادية التي يعيشها العالم.

في المقابل، أزمة الرؤية تبدو أكثر تعقيدًا. فغياب تصور واضح لدور الجامعة يجعلها أحيانًا محصورة بين وظيفتين غير متكاملتين: تخريج أكبر عدد ممكن من الطلبة، دون ضمان إدماجهم الفعلي في الاقتصاد؛ أو الحفاظ على نماذج تعليمية تقليدية لم تعد تتماشى مع متطلبات العصر. هذا التردد ينعكس على البرامج، طرق التدريس، وحتى على علاقة الطالب بالجامعة كمشروع حياة، لا مجرد مرحلة عابرة.

التحول الرقمي كان من المفترض أن يشكّل فرصة لإعادة التفكير في النموذج الجامعي. منصات التعليم الإلكتروني، أنظمة تسيير الطلبة، وربط البحث العلمي بالابتكار، كلها أدوات قادرة على تحسين الأداء الجامعي إذا استُعملت ضمن رؤية واضحة. غير أن الرقمنة في كثير من الأحيان بقيت شكلية، تركز على الإدارة أكثر من المحتوى، وعلى الإجراءات أكثر من جودة التعليم.

هنا تظهر أهمية الحلول الرقمية المتكاملة التي لا تكتفي برقمنة الوثائق، بل تساهم في تنظيم العملية التعليمية ككل. نماذج مثل Waslatic Academy أو أنظمة التسيير الأكاديمي المبنية على حلول ERP تُظهر أن الرقمنة يمكن أن تكون أداة فعالة إذا ارتبطت برؤية إصلاحية شاملة، وليس فقط بقرارات ظرفية.

في النهاية، يبدو أن الجامعة الجزائرية لا تعاني من أزمة واحدة، بل من تداخل أزمتين: تخطيط يحتاج إلى تحديث مستمر، ورؤية تحتاج إلى وضوح وشجاعة في الاختيار. فالجامعة التي لا تعرف بدقة أي كفاءات تريد تكوينها، ولأي اقتصاد، ستظل حبيسة الإصلاحات الجزئية.

وإذا كان الإصلاح الجامعي هدفًا وطنيًا، فإن نقطة الانطلاق الحقيقية تكمن في طرح سؤال بسيط لكنه جوهري: ما الجامعة التي نريدها للجزائر في العشر سنوات القادمة؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت الجامعة قادرة على استعادة دورها كمحرّك للتنمية، لا مجرد مؤسسة لتوزيع الشهادات.

(تحليل شخصي مبني على قراءة الواقع الجامعي في الجزائر)
Layer 1
Scroll to Top